فخر الدين الرازي

254

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

بَأْسَكُمْ السرابيل القمص واحدها سربال ، قال الزجاج : كل ما لبسته فهو سربال من قميص أو درع أو جوشن أو غيره ، والذي يدل على صحة هذا القول أنه جعل السرابيل على قسمين : أحدهما : ما يكون واقيا من الحر والبرد . والثاني : ما يتقى به عن البأس والحروب ، وذلك هو الجوشن وغيره ، وذلك يدل على أن كل واحد من القسمين من السرابيل . فإن قيل : لم ذكر الحر ولم يذكر البرد ؟ أجابوا عنه من وجوه : الوجه الأول : قال عطاء الخراساني : المخاطبون بهذا الكلام هم العرب وبلادهم حارة فكانت حاجتهم إلى ما يدفع الحر فوق حاجتهم إلى ما يدفع البرد كما قال : وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها [ النحل : 80 ] وسائر أنواع الثياب أشرف ، إلا أنه تعالى ذكر ذلك النوع لأنه كان إلفتهم بها أشد ، واعتيادهم للبسها / أكثر ، ولذلك قال : وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ [ النور : 43 ] لمعرفتهم بذلك وما أنزل من الثلج أعظم ولكنهم كانوا لا يعرفونه . والوجه الثاني : في الجواب قال المبرد : إن ذكر أحد الضدين تنبيه على الآخر ، قلت ثبت في العلوم العقلية أن العلم بأحد الضدين يستلزم العلم بالضد الآخر ، فإن الإنسان متى خطر بباله الحر خطر بباله أيضا البرد ، وكذا القول في النور والظلمة والسواد والبياض ، فلما كان الشعور بأحدهما مستتبعا للشعور بالآخر ، كان ذكر أحدها مغنيا عن ذكر الآخر . والوجه الثالث : قال الزجاج : ما وقى من الحر وقى من البرد ، فكان ذكر أحدهما مغنيا عن ذكر الآخر . فإن قيل : هذا بالضد أولى ، لأن دفع الحر يكفي فيه السرابيل التي هي القمص من دون تكلف زيادة ، وأما البرد فإنه لا يندفع إلا بتكلف زائد . قلنا : القميص الواحد لما كان دافعا للحر كان الاستكثار من القميص دافعا للبرد فصح ما ذكرناه ، وقوله : وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ يعني دروع الحديد ، ومعنى البأس الشدة ويريد هاهنا شدة الطعن والضرب والرمي . واعلم أنه تعالى لما عدد أقسام نعمة الدنيا قال : كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ أي مثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم فإنه يتم نعمة الدنيا والدين عليكم : لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ قال ابن عباس : لعلكم يا أهل مكة تخلصون للّه الربوبية ، وتعلمون أنه لا يقدر على هذه الإنعامات أحد سواه ، ونقل عن ابن عباس أنه قرأ : لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ بفتح التاء ، والمعنى : أنا أعطيناكم هذه السرابيلات لتسلموا عن بأس الحرب ، وقيل أعطيتكم هذه النعم لتتفكروا فيها فتؤمنوا فتسلموا من عذاب اللّه . ثم قال تعالى : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ أي فإن تولوا يا محمد وأعرضوا وآثروا لذات الدنيا ومتابعة الآباء والمعاداة في الكفر فعلى أنفسهم جنوا ذلك ، وليس عليك إلا ما فعلت من التبليغ التام ، ثم إنه تعالى ذمهم بأنهم يعرفون نعمة اللّه ثم ينكرونها ، وذلك نهاية في كفران النعمة . فإن قيل : ما عني ثم ؟